محمد بن جرير الطبري

37

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ودع عبد الله بن رواحه مع من ودع من أمراء رسول الله ص بكى ، فقالوا له : ما يبكيك يا بن رواحه ؟ فقال : اما والله ما بي حب الدنيا ، ولا صبابه بكم ، [ ولكني سمعت رسول الله يقرا آية من كتاب الله يذكر فيها النار : « وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ] » . فلست ادرى كيف لي بالصدر بعد الورود ! فقال المسلمون : صحبكم الله ودفع عنكم ، وردكم إلينا صالحين ، فقال عبد الله بن رواحه : لكنني اسال الرحمن مغفره * وضربه ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنه بيدي حران مجهزه * بحربه تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقولوا إذا مروا على جدثى * أرشدك الله من غاز وقد رشدا ! ثم إن القوم تهيئوا للخروج ، فجاء عبد الله بن رواحه إلى رسول الله ص فودعه ، ثم خرج القوم ، وخرج رسول الله يشيعهم ، حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم ، قال عبد الله بن رواحه : خلف السلام على امرئ ودعته * في النخل خير مشيع وخليل ثم مضوا حتى نزلوا معان من ارض الشام ، فبلغ الناس ان هرقل قد نزل مآب من ارض البلقاء في مائه الف من الروم ، وانضمت اليه المستعربه من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلى في مائه الف منهم ، عليهم رجل من بلى ، ثم أحد اراشه ، يقال له : مالك بن رافله ، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ، ينظرون في امرهم ، وقالوا : نكتب إلى رسول الله ونخبره بعدد عدونا ، فاما ان يمدنا برجال ، واما ان يأمرنا بأمره فنمضى له فشجع الناس عبد الله بن رواحه ، وقال : يا قوم ، والله ان الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوه ولا كثره ، ما نقاتلهم الا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ، فانطلقوا ، فإنما هي إِحْدَى